
كومبارس .. اسم لا يعني في أحسن الأحوال، سوى هامش، (هامش)، يصنع أحيانا أفلام عظيمة .. أفلام .. انطقها الكومبارس، و رسم ملامحها، ثم منحها مساحة في التاريخ .. إنها أفلام من بطولتهم الحقيقية . هنا أفلام لم تكن كما هي، لولاهم .
إن فلم مثل The Godfather ، قد يبدو فلم عصابات عادي، لولا كومبارس (كابولا)، الذي رسم حيوات مثيرة داخل ذلك الفيلم الاسطورة، ليس من المبالغة إذا قلنا أن The Godfather، لم يكن فيلما واحدا، بل عدة أفلام، أحدها في الأمام، قريبا من الشاشة، و أخرى تتبارى في الخلف .
فتيات تنهار أمام غناء (جوني) .. جمهور متحلق حول (ماركو)، بعد أن أوسعه (سوني) ضربا .. نساء يتراقصن، و أطفال يتبعون بانبهار سيارة (الرولزرايس)، في هافانا .. تلك الأصوات و العيون المحدقة في (مايكل) بالمحكمة .. قساوسة و مغنو أوبرا مذعورين أمام (ماري) التي تحتضر .. و صور لا تنتهي، لخيالات تملأ الشاشة .
إن ما يجعل من The Godfather فيلما خالدا، ليست دزينة العباقرة الذين يخلقون الدهشة و الخوف فينا، إنما هم أولئك الأشخاص غير المرئيين، الذين يرسمون الخلفية بإتقان . إنها تلك الأشياء الصغيرة التي جعلت من ذلك الفيلم، صورة للحياة .
يقول العبقري (مارتن سكورسيزي)، عن فيلمه The Gangs of New York : " إن إمريكا ولدت من الشارع "، الشارع الذي غذى أفلام سكورسزي، و أحياها، الشارع الذي كان حاضرا لدى (كابولا) كان موجودا عند (إميراش)، و إن لم يكن كشارع (كابولا) أو حتى شوارع (سكورسيزي) .
في فيلم The Day After Tomorrow، لم يكن ليقدر (رولاند إميراش)، أن يبعث ذلك الهلع من دواخلنا، تجاه مستقبل البشرية، لولا أن ملايين الأشخاص الذين يحيون مدنا كطوكيو، و نيوديلهي قد حضروا لدى (رولاند)، و الذي ما كان له أن يخرج الفيلم، لو لم يقتبس حياة أربعة عشر مليون، يشكلون وجه نيويورك الذي لا يرهقه السهر . The Day After Tomorrow، لم تصنعه حبكة درامية، ولا التأثيرات السينمائية الهائلة الحاضرة في الفيلم، إنما هي ملايين الوجوه التي دفنها الثلج، و الآف الناطحات المتقازمة امام أرتال من الجليد .
المجنون و (الماجن)، الإيطالي (برناردو بيرتولوتشي)، عندما أراد تصوير فيلمه Last Tango in Paris، اصطحب (مارلون براندو) لمعرض الرسام الإيرلندي (فرانسيس بيكون) في الـ Grand Palais ، (الرجل اليائس الذي تحرر من جميع الأوهام)، و أطلعه على لوحات بيكون، ثم قال : هل تأملت تلك جيدا ً؟ حسناً، أريدك أن تعيد خلق ذات الألم الرهيب الذي ينبعث منها . أعتقد أن هذا ما فعله المخرج الإيرلندي (تيري جورج) في فيلمه Hotel Rwanda، أعاد خلق الألم، من أصحاب الحكاية الأصلية، حيث لم يكن الفيلم صورة مكرورة، باهتة، بل كان ألم يتدفق من الشاشة .
فيلم الحرب و السياسة Hotel Rwanda ، و الذي قام ببطولته (دون شادل)، يحكي قصة حقيقية لمدير فندق صغير، الرواندي (ريزساباجينا)، اثناء المذابح العرقيه التي شهدتها رواندا في التسعينات من القرن الماضي، كان يأوي في فندقه نزلاء أجانب، و المئات من الروانديين الهوتو، الفارين من بربرية و همجية الميليشيات، التي تتفرس في الوجوه، و الهويات، لتشرع آلاتها الوحشية، بممارسة تطهير عرقي بشع . و ليحمي 1628 روح من موت محقق . لم يكن أداء (شادل) الجميل من حكى الحكاية، بل تلك الوجوه الأفريقية التي ارتسمت بالمأساة لشعب بائس انهكه الذعر .
أيضا، يقول (برناردو بيرتولوتشي) : لقد تسنت لي فرصة لقاء (جين رينوا) في لوس أنجلوس في السبعينات، وكان عمره قد ناهز الثمانين عاماً تقريباً آنذاك . أتذكر أنه قال لي شيئاً ترك إنطباعاً شديداً لديّ، بل كان أبلغ درس تعلمته حول كيفية عمل الفيلم، والذي لم أتعلم مثله في أي مكان . لقد قال: " ينبغي عليك دائما أن تترك باب موقع التصوير مفتوحاً، لأنك لاتعرف مالذي يمكن أن يدخل عليك" .
في الفيلم الرومانسي الجميل، Anni Hall، لـ (وودي الآن) و (دايان كيتون)، كانت وجوه (الآن) المنتشرة في أماكن نيويورك، هي التي منحت الصورة ذلك الزخم الهائل، على الرغم أن القصة كانت لـ(آني) و (ألفي) ، إلا إن تلك الوجوه النيوركية هي التي حملت للفيلم معنى آخر، و منحت نيويوك وقعا لطيفا غمر الشاشة، تلك الوجوه دخلت من باب (رينوا) المفتوح .
يقول المخرج الدينماركي صاحب (مسرح السينما) في ثلاثيته التي لم تكتمل بعد، (لارس فون تيرر) : ( على الفيلم أن يخدش و يؤذي تماما مثل الحجر الصغير في الحذاء)، أعتقد أن هذا تماما ما فعله (فورمان) في فيلمه One Flew Over the Cuckoo's Nest، صنع فيلم لا يخدش فقط، و إنما جعلنا نشعر بمعنى الحياة الموجع، على يد أشخاص فقدوها ضمنيا .
مجانين (فورمان) في One Flew Over the Cuckoo's Nest، هم أصل الصورة، بلا شك . من دون تلك الوجوه البلهاء، و الأفواه الفاغرة، المتناثرة في الردهات، لما بدا لنا جنون (رنديل) (جاك نيكلسون) جنونيا و صاخبا . لا أعلم كيف لنا مشاهدة الدم و الموت، بذلك الإنفعال الغريب، لو أن (ميلوش) لم يلقنّا إياها عبر تلك الأوجه، التي من فرط جنونها بدا الموت من خلالها، و كأنه لم يكن يوما جزاء من الحياة .
إنهم الكومبارس .. الهامش الذي يصنع الفرق . |